المعلومات أربعة:
1_ معلوم أول:هوالحق تعالى وهو الموصوف بالوجود المطلق ،لأنه سبحانه ليس معلولاً لشيء،والعلم به عبارة عن العلم بوجوده،ووجوده ليس غير ذاته،مع أنه غير معلوم الذات، لكن يعلم ما ينسب إليه من الصفات، أعني صفات المعاني وهي صفات الكمال.وأما العلم بحقيقة الذات فممنوع،لا تعلم بدليل ولا ببرهان عقلي،ولايأخذها حدّ.فإنه سبحانه لا يُشبه شيئاً ولا يُشبهه شيء، فكيف يعرف من يُشبه الأشياء من لا يُشبهه شيء ولا يُشبه شيئاً؟ فمعرفتك به إنما هي أنه (ليس كمثله شيء) (ويُحذركم الله نفسه)،وقد ورد المنع من الشرع في التفكّر في ذات الله.
2_ معلوم ثان: وهوالحقيقة الكلية التي هي للحق وللعالم،لا تتّصف بالوجود ولا بالعدم،ولا بالحدوث ولابالقدم.هي في القديم إذا وصف بها قديمة،وفي المحدث إذا وصف بها محدثة. لاتُعلم المعلومات قديمها وحديثها حتى تعلم هذه الحقيقة،ولا توجد هذه الحقيقة حتى توجد الأشياء الموصوفة بها.فإن وجد شيء عن غيرعدم متقدّم،كوجود الحق وصفاته ،قيل فيها موجود قديم لإتصاف الحق بها.وإن وجد شيء من عدم،كوجود ما سوى الله،وهو المُحدث الموجود بغيره،قيل فيها محدثة. وهي في كل موجود بحقيقتها،فإنها لا تقبل التجزّي،فما فيها كل ولا بعض.ولا يتوصّل إلى معرفتها مجردة عن الصورة بدليل ولا ببرهان.فمن هذه الحقيقة وجد العالم بواسطة الحق تعالى، وليست بموجودة فيكون الحق قد أوجدنا من موجود قديم فيثبت لنا القدم.وكذلك لتعلم أيضاً أن هذه الحقيقة لاتتصف بالتقدّم على العالم ولا العالم بالتأخّر عنها،ولكنها أصل الموجودات عموماً.وهي أصل الجوهر،وفلك الحياة،والحق المخلوق به،وغير ذلك.وهي الفلك المحيط المعقول. فإن قلت إنها العالم صدقت،أو أنها ليست العالم صدقت،أو أنها الحق أو ليست الحق صدقت، تقبل هذا كله،وتتعدّد بتعدّد أشخاص العالم،وتتنزّه بتنزيه الحق..
3 معلوم ثالث:وهوالعالم كله،الأملاك والأفلاك وما تحويه من العوالم،والهواء والأرض وما فيها من العالم،وهوالملك الأكبر.
4 معلوم رابع: وهو الإنسان الخليفة الذي جعله الله في هذا العالم المقهور تحت تسخيره.. فمن عَلم هذه المعلومات فما بقي له معلوم أصلاً يطلُبه: فمنها ما لا نعلم إلا وجوده،وهو الحق تعالى، وتعلم أفعاله وصفاته بضرب من الأمثلة. ومنها ما لا يعلم إلا بالمثال،كالعلم بالحقيقة الكلية. ومنها ما يعلم بهذين الوجهين وبالماهية والكيفية،وهو العالم والإنسان.
__ لما أراد الله تعالى وجود العالم،انفعل عن تلك الإرادة المقدسة بضرب من تجلّ من تجليات التنزيه إلى الحقيقة الكلية،انفعل عنها حقيقة تسمى (الهباء)،هي بمنزلة طرح البناء الجص ليفتح فيها ما شاء من الأشكال والصور.وهذا هو أول موجود في العالم.ثم إنه سبحانه تجلّى بنوره إلى ذلك الهباء ــ ويُسميه أصحاب الأفكار(الهيولى الكل)ــ والعالم كله فيه بالقوة والصلاحية.فلم يكن أقرب إليه قبولاً في ذلك الهباء إلا(حقيقة سيدنا محمد) صلى الله عليه وسلم المسماة ب(العقل)،فكان سيد العالم بأسره،وأول ظاهر في الوجود، فكان وجوده من ذلك النورالإلهي ومن الهباء ومن الحقيقة الكلية.و(في الهباء وُجِدَ عينه، وعين العالم من تجليه) انتهى كلام ابن العربي .
للمزيد من الشرح والتبيان قلت:
1_ معلوم أول: فحقيقة الذات الالهية غائبة عنا لا تصلها افكارنا (لا تُعلم لا بالدليل ولا بالبرهان)ولا اذواقنا ولا كشفنا(ليس كمثله شيء)فكل ما خطر ببالك فالحق خلاف ذلك.
2_ معلوم ثان: وهوالحقيقة الكلية التي لها وجهة حقية ووجهة خلقية،لا تتّصف بالوجود ولا بالعدم،ولا بالحدوث ولابالقدم.لأنه لا خُبر لنا عنها ولا خَبر لنا بها “ماعرفني حقيقة غير ربي”فهي قديمة غير مسبوقة بالعدم،وهي ‘الحق المخلوق به’ كما قال ابن العارف، ‘به’وليس منه،حتى لايثبت لنا القِدم،هي أصل الموجودات عموماً من حيث حقيقتها وتجليات حضراتها فإن قلت إنها العالم صدقت،أوأنها ليست العالم صدقت،أوأنها الحق أو ليست الحق صدقت، تقبل هذا كله،وتتعدّد بتعدّد أشخاص العالم، وتتنزّه بتنزيه الحق.لأنها برزت من الأحدية واصطحبت مع الأسماء الالهية،ومع الفيضة القرءانية فلبست حلل الربوبية”نحن أحق بالسجود لك من البهائم“.
3 معلوم ثالث: وهوالعالم كله،الأملاك والأفلاك وما تحويه من العوالم،والهواء والأرض وما فيها من العالم،وهو الملك الأكبر. وما سمي العالم عالما إلا لأنه علامة على وجود خالقه.
4 معلوم رابع: وهو الإنسان الخليفة ،وكل الناس لهم دور في الخلافة عن الله.
=﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَٰٓئِفَ الْأَرْضِ﴾(الانعام)تشير من حيث المعنى الباطني إلى أولياء الله ومقاماتهم لذا أتبعها قوله تعالى ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجـٰت﴾وحذفت ألف خَلَٰٓئِفَ لأن الفتوحات والعلوم اللدنية تختلف حسب التجليات الإلهية،وتختلف من عارف لعارف،ومن زمان لآخر، وحذفت ألف درجــٰت كذلك.
=﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَٰٓئِفَ فِـي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾(يونس 14)
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَٰٓئِفَ فِـــي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾(فاطر 39).هذه إشارة إلى الخلافة العامة لكل البشر،أي عمران الأرض،والتناسل،ووردت محذوفة الألف لاختلاف دياناتهم،ولإختلاف ألوانهم، وألسنتهم ،ومساكنهم،وحِرفهم. فيهم القوي والضعيف،الغني والفقير…