الكمال الـمحمدي
بسم الله الرحمان الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيد نا ومولانا محمد وعلى اله وصحبه وسلم تسليما.
كان رسول الله قائدا عسكريا محنكا يبصر قريب الأمور كما يبصر بعيدها ،ويدرس كل جوانب المعركة ويبدل كل ما في طاقته من جهد ،وحذر، ويشاور أصحابه ، ويأخذ بالأسباب.كان القائد الأعلى لجنود الحق لايخوض القتال إلا بعد إستراتجية محكمة، وكان إذا أراد غزوة وَرَّى بغيرها وكان يستعين على قضاء حوائجه بالكتمان .وكان يستعين في الحرب بالعيون والمراقبين يـبـثهم بين الأعداء ليكتشف عدتهم وعددهم وخطتهم. وكان يشجع على القتال ويرفع معنويات جيشه ويقوي عزائمهم ولايكره أحدا على القتال قال تعالى ” فقاتل في سبيل الله لاتكلف إلا نفسك ” ( النساء 84 ) كان رسول الله يخوض المعركة بنفسه بل يكون في مقدمتها .قال علي رضي الله عنه كنا إذا احمر البأس إتقينا برسول الله ،فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه .وكان يحدد للمسلمين كلمة التعارف بينهم كشعار في القتال مثل كلمة (أحد أحد) وهذا ضروري في معركة يتشابه فيها الطرفان في كل شئ .كما أدخل أسلوبا جديدا في القتال لم تعرفه العرب من قبل هو أسلوب الصفوف(كان المشركون يقاتلون بأسلوب الكر والفر ) .وكان لاينسى العاملين في الخلف حين يقسم الغنائم ،كما كان لايبدأ أحدا بالعدوان ولكن إذا علم بعزم الأعداء على قتاله لم يمهلهم حتى يهاجموه ،بل يبادرهم بالهجوم ومن الميزة المهمة التي إتصف بها هي تأمينه لجيشه الهيبة العسكرية وقد عبر عن هذه الحقيقة بقوله ( نصرت بالرعب مسيرة شهر)وكان يعامل الأسرى معاملة حسنة .
في غزوة بدر خرج مع أبوبكر في دورية استطلاعية للحصول على معلومات عن قريش فسأل الشيخ الذي لقياه في الطريق عن عدد القوم فلما لم يعرف سأله عن عدد الجزور الذي يذبحونهاكل يوم فعرف عدد الجيش بمقدار الطعام الذي يحتاج اليه.
في غزوة الاحزاب أرسل حديفة بن اليمان ليكتشف خبر الاعداء كما جاء ابو نعيم بن مسعود فقال” يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لا يعلمون بذلك فمرني بما شئت فقال ” إنما أنت فينا رجل واحد فخدل عنا إن استطعت فان الحرب خدعة” . فاستطاع ابو نعيم أن يفرق من تكتل بني قريظة مع قريش وغطفان وفي غزوة الفتح زيادة في التخفي والتعمية بعث رسول الله سرية إلى بطن إضم في أول شهر رمضان ليظن الظان أنه يتوجه إلى تلك الناحية ولتذهب بذلك الاخبار.
في غزوة حنين وجه عبد الله ابن حدرد الاسلمي، وأمره أن يدخل معهم ليكتشف أمرهم
كان القائد العام يعقد ما يسمى اليوم مجلس الحرب يدرس المعركة ويستشير أصحابه.
في غزوة بدر قبل رسول الله رأي الخباب ابن المندرالذي أشار( بعد أن استوثق أن اختيار النبي لذلك المكان لم يكن بوحي من الله ) بالتحول إلى مكان هو أصلح و آمن للمسلمين.
في غزوة أحد استشار أصحابه وخيرهم بين الخروج لملاقاة العدو أو البقاء في المدينة كما أخذ برأي سلمان الفارسي في حفر الخندق أما في صلح الحديبية فإنه لم يستشر اصحابه في الاتفاق الـمبرم مع قريش ووافق على أشياء كرهها أصحابه منها شروط الهدنة وأمر الصلح والعودة وقضية ابو جندل التي زادت الطين بلة ،وكان رد رسول الله على أصحابه: “أنا رسول الله وعبده ولن أخالف أمره ولن يضيعني” وفعلا لم يضيعه الله تعالى ، وأبصر المسلمون مبهورين فوائد التسامح البعيد الذي أبداه رسول الله وعرفوا أن الله الذي عقل الناقة يوم الحديبية هو الذي ألهم رسول بقبول بنود الصلح دون مشاورتهم.
ولنستعرض في عجالة بعض اعماله التي تبين حنكتة العسكرية .
غزوة بدر :
عن عكرمة أنه لما نزل قوله تعالى ” سيهزم الجمع ويولون
الدبر” في مكة والمسلمون يومئذ
مستضعفون، قال عمر أي جمع هذا أي جمع يهزم أي جمع يغلب قال عمر فلما كان يوم بدر
سمعت رسول الله ” يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر ”
فعرفت تاويلها يومئذ لقد كان عدد
الجمع 1000 مقاتل وعدد المسلمين 314رجل والمسافة بين بدر
والمدينة160 كلم ولم تكن مع رسول
غير فرسان، و70 بعيرا يتعقبونها وانهزم الجمع وولى الدبر.
في غزوة أحد كان عدد المسلمين 1000 مقاتل ثم
انخدل المنافق عبد الله ابن أبي ب 300مقاتل أما عدد المشركين 3000 فيهم 700 دارع
100فارس 17 امراة.
في هذه الغزوة تجلت براعته
في فن الإستراتجية ودارت
المعركة لصالح المسلمين طالما التزموا بأوامره أما عندما غادر الرماة أماكنهم فكان
ماكان. وفي ثاني يوم أحد خرج مرهبا للعدو وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة
وهذه المتابعة التكتيكية تبين دهائه العسكري . في هذه المعركة كان التفوق في الشوط
الأول للمسلمين وفي الثاني للمشركين . قتلى المسلمين70 وقتلى المشركين 30 الجيش
الاسلامي لم يلتجأ إلى الفرار ولم يقع أحد في الأسر. الجيش المكي لم يغنم غنائم
وغادر الساحة مبكرا ولم يدخل المدينة . إذا كل فريق أخذ قسطه من الفوز ومن الهزيمة
فلا غالب ولا مغلوب وإلى هذا يشير قوله تعالى ” ولاتهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تالمون فانهم يالمون
كـــمـــــــا تالمون وترجون من الله ما
لايرجون ”
وقد أفادت هذه الغزوة في فضح المنافقين ورب ضارة نافعة.
غزوة الخندق :يقول تعالى” اذ جاؤكم من فوقكم ومن اسفل منكم واذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا” هذه الآية تبين العدد الهائل من جيش التحالف وفي هذا الموقف الرهيب يأتي الخبر المفاجئ بنقض بني قريضة عهدها فأي شجاعة يحتاج إليها القائد العسكري، وأي صبر ،وأي حنكة لِبَث الامل وشد العزائم ورفع المعنويات لجيشه ،القليل عدة وعددا ،والمحاط من جميع الجوانب. في هذا الموقف التي تنهار فيه أعصاب الأقوياء قال ( ابشروا بفتح الله ونصره)
إن معركة الاحزاب لم تكن معركة خسائر بل معركة أعصاب فقتلى الفريقين يعدون على رؤوس الاصابع ومع ذلك فهي من أحسم المعارك في تاريخ الاسلام.
غزوة خيبر في هذه الغزوة لم يفت رسول الله وهو الاستراتجي الكبير قبل مسيره إلى خيبر أن يفصم الجبهة المؤلفة ضده من يهود وغطفان فأوهم غطفان أن الهجوم متجه إليهم فرجعوا على أعقابهم . أما يهود خيبر فظنوا أن زحف المسلمين صوب غطفان فلم يعيروا الأمر اهتماما حتى فوجئوا بالمسلمين فارتدوا إلى حصونهم وهم يقولون ( محمد و الخميس) .
غزوة الفتح في هذه الغزوة كان من التدبير الحكيم للقائد العظيم أنه أمر أصحابه أن يتفرقوا ولا يدخلوا مكة من طريق واحد وذلك بغية تفويت فرصة القتال على أهل مكة وحقنا للدماء في بلد الله الحرام وأعلن أنه من دخل دار أبي سفيان فهو أمن ومن دخل داره وأغلق بابه فهو آمن وهذا هو المعبر عنه حاليا بمنع التجول (COUVRE FEU)
غزوة حنين كان عدد مقاتلي هوزان 30000 وعلى قيادتها مالك بن عوف وعدد المسلمين 12000 فيهم مسلمين جدد، وأهل مكة، وانهزم المسلمون وفروا وبقي رسول الله ثابتا على بغلة لاتصلح لا لكر ولا لفر ،وهو يردد ” أنا النبي لاكذب أنا ابن عبد المطلب ” وأعاد الكرة على هوزان وملك زمام الأمور في هذه المعركة أرسل العيون للاستطلاع واستعار الأدرع والسلاح وأدار المعركة بنفسه .
اما غزوة تبوك فقد خرج في 30000 مقاتل و 10000ومن الخيل فأقام فيها نحوا من شهر ولم يخرج الروم خوفا وفزعا فقد نصره الله بالرعب مسيرة شهر.
بلغ عدد الغزوات التي قاداها رسول الله
27 غزوة قاتل
في 9 منها بنفسه واستمرت من السنة الثانية للهجرة إلى السنة 9
. أما
عدد سرياه
فتفوق 47 سرية هذه الغزوات
والسرايا هدفها إشعار مشركي يثرب ويهودها والأعراب الضاربين حولها ،والمنافقين أن
المسلمين أقوياء وكذلك القضاء على القوة المالية والتجارية لقريش، أي سُنَّة
المصادرة التي أقرها القانون الدولي وعمل بها قادة الجيوش في جميع العصور ورأينا
تطبيقها في الحرب العالمية الاولى والثانية رشيدة ثارة وغالية في الظلم والشطط كما
في حرب الخليج.
وخلاصة القول أن محمدا بدأ بجيش مقداره 300رجل محاطا بالمشركين والمنافقين واليهود
والاعراب من كل جانب وبدولتين عظيمتين الروم وفارس وبحكمته وحسن سياسته وقيادته
العسكرية المحنكة اخضع الجزيرة العربية كلها ولم يتوقف الا وقد هيأ المسلمين لحرب
الفرس والروم وأتم خلفاؤه ما بدأ عسكريا وهذا ينسب إليه لأنه من آثار تربيته
وقيادته.
إن شخصية مولانا رسول الله
متعددة الجوانب والمواقف فقد
رعى الغنم وتاجر وسافر وتزوج وولد فكان الأب والصديق والتاجر والامين والطبيب
والمربي والقائد العسكري والقاضي. وأقام الله تعالي رسوله
مقام المخرج من وطنه ومن مات له ولد ومن أتهم في
عرض أحب الناس اليه وحاول أعداؤه اغتياله مرارا ( 14 مرة تقريبا ) وأتهم بالجنون
والكذب والسحر والافتراء والشاعر .
ونشا يتيما وجاع وعطش وضرب وسحر وسُمَّ وخاصم وصالح وعاهد وكاتب
الملوك و أرسل البعوث واستقبل الوفود وكان أول رائد للفضاء.
إن سيرة مولانا رسول الله جعلت الكاتب مايكت هارت يضعه على رأس
قائمة” المائة
الاوائل” في التاريخ .إن حياة رسول الله استوعبت أحوال البشر جميعا وفي كل
حال من الاحوال كان مولانا رسول الله
المثل الاعلى للبشر والقدوة
المثلى لهم إذ إليه يرجع الكمال في كل شئ فهو الإنسان الكامل على الاطلاق .
وفي النهاية اعتذر عن تقصيري في إتيان هذا الموضوع حقه( ومن
يقدر على ذلك )فشأن رسول الله عظيم والإبانة عن كماله وعن علو اخلاقه بعيدي المنال
ولله در القائل :
فإن قدر رسول الله ليس له =حد فيعرب عنه ناطق بفم
وحسبي أن ذلك جهدي وما دفعني الى هذه المحاولة البسيطة الا
محبته صلي الله عليه وسلم ولله
يحركنا ذكر الاحاديث عنكم ولولا هواكم في الحشا ما تحركنا
ابن مبارك 2010