السؤال الثامن والعشرون: هل خرج أحد عن رقّ الأسباب الموضوعة في الكون واستغنى عنها كلها بالله،أم لم يخرج عنها أحد؟.
قال تعالى (يا ايها الناس انتم الفقراء الى الله والله هو الغني الحميد) فكل ما يفتقر اليه يصب في مقتضى اسم من اسماء الله، ولا يوجد شيء في الكون خارج عن تجليات الاسماء الالهية، والكون كله يسير وفق تجليات الحق تعالى ،والتجليات في تجدد مستمر،والملك لا يدوم على تجل واحد أبدا ،دوام الحال من المحال ، إذ لو لم يتغير عليه التجلي لاستغنى عن الله. والحق تعالى أثبت الأسباب فعلينا أن نأخذ بها ،ولا نتوكل عليها،فهو تعالى الفاعل الحقيقي من وراء حجاب الأسباب ،فالأخذ بالأسباب من صفات المومنين، والتوكل على الله مقام من مقامات السالكين.
قال سهل بن عبد اللّه التستري: كل الأعمال ذو وجه وقفا،إلا التوكل له وجه بلا قفا. فالتوكل على الله،هوالتوكل عليه على وجه من الوجوه(فأينما تولوا فثم وجه الله) لأن المتوكل الحقيقي لايرى الا وجه الله،وإن اختلفت الصور وتعددت المظاهر،فالمتوكل لا يلتفت لغير الله في اموره الدنيوية والأخروية،يرى وجها بلا قفا.
حالة واحدة غابت عنها الأسباب، وهي حالة مريم الصديقة،قال تعالى(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّاالْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) كان الرزق ياتيها بغير سبب،وبغير طلب. وقد عاين سيدنا زكريا هذا الرزق الحسي ،الذي كان ياتيها ويراه عندها، ولكن عندما جاءها الملك وأخبرها بالغلام وهو رزق من نوع اخر، سألت عن الأسباب ،قال تعالى( قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً) “أنى يكون لي غلام” ؟ : تسأل عن الأسباب لأنها غير متزوجة ،وليست باغية .فبأي سبب سيكون لها هذا الولد ،والله تعالى فعال لما يريد،وعلى كل شيء قدير،والأسباب حجاب.فلما سألت عن الأسباب، ردت الى الأسباب فقيل لها (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) لم يعد الرزق يأتيها بدون سبب .
سيدنا ابراهيم عليه السلام لما رُمى به في النار،النار لم تحرقه، تغير مقتضاها بأمر الله،ولو لم يأمرها الله تعالى أن تكون عليها بردا وسلاما، لقتله بردها. لمَّا رمى به قومه بالمنجنيق إلى النار سأله جبريل: يا إبراهيم ألك حاجة ؟ فقال :أما إليك فلا ،قال جبريل :فسل ربك. فقال إبراهيم:حسبي من سؤالي علمه بحالي.هذا هو التوحيد الخالص،وهذا هو القلب السليم. ولهذا وصفه الله تعالى بالصديقية ” إنه كان صديقا نبيا”. فسيدنا ابراهيم من الصديقين ،وسيدتنا مريم من الصديقين ،ومن وصل من العارفين الى هذا مقام الصديقية يمكن أن يخرج من قيْد الأسباب في بعض الحالات.
سيدنا الخضر عليه السلام خرق السفينة،وقتل الغلام ،وأقام الجدار وقال(وما فعلته عنامري) وقال “فأردت”.” فأرادنا” ..” فأراد ربك”،ونسب الامور الى الفاعل الحقيقي “الله”.
كما ان الشكوى الى الله لاتقدح في الصبروفي التوكل،ألا ترى إلى سيدنا أيوب عليه السلام سأل ربه رفع البلاء عنه بقوله (إني مسني الضر)أي اصاب مني، فشكا ذلك وقال له ” وأنت أرحم الراحمين” .ففي هذا الدعاء والرجاء إثبات للأسباب ،وطلب رفع البلاء، والدعاء لا يقدح ولا يقتضي المنازعة لقضاء الله ،فإنه ذلة وافتقار، وأثنى الله تعالى عليه مع ثبوت شكواه ”إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب”. وأحاله الحق تعالى الى الأسباب (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب)(وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ).
اعلم أن الأسباب مُحال رفعها ،فكيف يرفع العبد ما اثبته الله، ليس له قوة على ذلك فتجليات الأسماء الإلهية،هي الأسباب، والوقوف عند الأسباب،لاينفي الإعتماد على الله ،ولكن الملتفت إليها والمتوكل عليها قلبيا،هو الضال ،فالعارفون يثبتونها ويعطونها حقها ولا يركنون إليها. التوكل اعتماد القلب على الله ،وعدم الاضطراب عند فقدان الأسباب. والأسباب ثابتة وما أثبته الله لايزيله العبد. فهو تحت سلطان الأسماء الالهية وقهرها ،وماوضع الله الأسباب سدى بل لنثبتها ونأخذ بها،فالحكيم من ينزل الأسباب حيث أنزلها الله .
قال تعالى (يا ايها الناس أنتم الفقراء الا الله والله هو الغني الحميد)فكل ما يفتقر إليه الانسان يصب في مقتضى اسم من الأسماء الإلهية،فقر ذاتي لاغنى للخلائق عنه. قال تعالى(فأينماتولوا فثم وجه الله)فمن يشاهد الوجه الخاص في كل منفعل يرى إن الله تعالى هو الفاعل، يفعل عندها لابها.كأدوات النجارة للنجار،إن صنع دولابا فالصنعة له لا للمنشار والمطرقة والمسمار، العاقل يثبتها ولايضيف لها صنعة الدولاب ،أوالباب .
أما من يرى أن الأسباب هي الفاعلة فتوحيده ناقص.وهذا من أوحال التوحيد التي أشار إليها المشيشي في صلاته” وانشلني من أوحال التوحيد”.
قال أنس : (خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين ،والله ما قال لي أف قط،ولا قال لشيء لم فعلت كذا ،وهلا فعلت كذا).فهو صلى الله عليه وسلم اكبر الموحدين ولا يرى فاعلا سوى الله. كان يأخذ بالاسباب. في الهجرة خرجَ صلى الله عليه رفقة أبي بكر خفية وهذا أخذ بالأسباب،واصطحب معه دليلاً يدله على الطريق،هو نبيُّ ويعرفُ أنه محفوف بعناية الله،وأنه أكرم على ربه من أن يتركه يضيع في الصحراء،ولكنه أخذ بالأسباب لأنه يعرف أن الدنيا دار أسباب، وليعلمنا أنها لا تنافي التوكل على الله،وهو صلى الله عليه مشرع فشرع لنا الاخذ بالاسباب . وصلى الله على سيدنا ونبينا وحبيبنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه.
عدد المشاهدات :24
هل أعجبك الموضوع؟ يمكنك مشاركته على منصتك المفضلة
احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.